بدأت العمليات التي تجري في النظام المالي العالمي، ولا سيما تعزيز دور اليورو واليوان، بالفعل في تقويض الدور المهيمن للعملة الأميركية، وبشكل عام، يهدد الوضع الراهن في أفغانستان بأن يصبح حافزا لعمليات فك الدولرة، وهو ما كشف عنه وزير المالية البريطاني السابق، جيم أونيل في مقال له نشرته صحيفة بروجيكت سنديكيت (Project Syndicate).

 

يلفت أونيل الانتباه إلى حقيقة نجاح الدولار في الصمود أمام الصدمات القوية أكثر من مرة، وتشمل هذه الأزمات سقوط سايغون في عام 1975 وفشل الولايات المتحدة في العراق بعد غزو عام 2003، ومع ذلك، فإن الوضع ما زال مختلفا، حيث لا ترغب معظم الدول في تقلب عملاتها مقابل الدولار، وقد قررت الدول التي كان لها ثقل اقتصادي يخول لها التأثير على النظام النقدي العالمي مثل اليابان وألمانيا والصين عمدا عدم القيام بذلك.

 

من جانبها، رفضت الصين منذ فترة طويلة توسيع وجود الرنمينبي في الأسواق المالية، على الصعيدين المحلي والدولي، في المقابل، بذلت الولايات المتحدة قصارى جهدها للحفاظ على النظام الحالي قائما.

 

وفي مقال نشرته صحيفة إيزفيستيا (Izvestia) الروسية، ذكرت الكاتبة، أوكسانا بلكينا، أن الاستيلاء على السلطة في أفغانستان من قبل حركة طالبان يهدد استقرار عملة الدولار، حسب تحذيرات موظف سابق في أحد البنوك الاستثمارية الأميركية الرائدة.

 

هل يتراجع الدولار؟

إن التراجع في دور الدولار يتجلى في البيانات الخاصة باحتياطيات النقد الأجنبي للبنوك المركزية العالمية، ففي عام 2018، وفقا للبنك المركزي الأوروبي، سجلت حصة العملة الأميركية في الاحتياطيات الدولية أدنى مستوى لها خلال العقدين الماضيين لتصل إلى 61.7%.

 

علاوة على ذلك، انخفضت هذه النسبة في عام 2020 إلى أقل من 60% لأول مرة منذ عام 1995، ويرجع ذلك بالأساس إلى سياسات السلطات النقدية الأميركية، إذ في خضم الوباء، أصدر نظام الاحتياطي الفدرالي أمرا بضخ المزيد من الدولارات في الاقتصاد المتضرر، ما أدى إلى إضعاف العملة الأميركية.

 

في المقابل، حذر خبراء بنك جيه بي مورجان تشيس (JPMorgan Chase)، من أن الدولار يخاطر بفقدان مكانته كعملة احتياطية عالمية في المستقبل القريب، وفي الواقع، اكتسب الدولار مكانته المتميزة الحالية بفضل قوة الاقتصاد الأميركي.

 

غير أن المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي يتحول نحو آسيا، وعليه ضاعفت الصين حصتها في الناتج المحلي الإجمالي العالمي 4 مرات خلال 70 عاما، لتصل إلى ما يعادل 20%.

 

ويرى أونيل أن صندوق النقد الدولي سيعمل لـ5 سنوات على مراجعة تكوين وتقييم حق السحب الخاص، وفي حال زادت حصة اليوان، نتيجة المراجعة، فذلك يعني أن النظام النقدي العالمي سيتطور حتما.

 

في السياق ذاته، استمرت عملية تراجع دور الدولار منذ بداية القرن الـ21، أولا باعتباره العملة الوحيدة، ثم كونه العملة الاحتياطية الأكثر أهمية.

 

وفي هذا الصدد، يرى رئيس قسم إدارة الاستثمارات والدعم التحليلي في مؤسسة التمويل الدولية الصلبة، ميخائيل كوروليوك، أنه من المحتمل استمرار هذه العملية لعقود حتى يقع تحويل الدولار إلى دور إحدى العملات الاحتياطية.

 

سمعة مشوهة

 

تساءلت الكاتبة عما إذا كان الوضع الراهن في أفغانستان سيسرّع من نسق هذه العملية؟

 

في الواقع، ليس لانتصار طالبان عواقب اقتصادية مباشرة على العملة الأميركية، ولا سيما أن تأثير أفغانستان على الاقتصاد العالمي ضئيل.

 

من جانبه، يعتقد الخبير في شركة بورسيل، ميخائيل نيكيتين، أن تورط الولايات المتحدة في حرب أخرى واسعة النطاق ومكلفة، هو السيناريو الوحيد المحتمل لانهيار الدولار.

 

ويضيف نيكيتين أنه لطالما كان جو بايدن من الداعمين لانسحاب القوات من أفغانستان. يفصلنا أكثر من عام على انتخابات الكونغرس المقبلة وأكثر من 3 سنوات على الانتخابات الرئاسية المقبلة، بالتالي في غياب أي قوة قاهرة حادة، سوف تشهد قيمة الدولار ارتفاعا وانخفاضا، ولا دخل لطالبان في ذلك.

 

ونقلت الكاتبة عن المحلل المالي ميخائيل بيسبالوف أن الوضع الذي تطور في أفغانستان يفرض بعض المخاطر على سمعة الولايات المتحدة. ومع ذلك، من المستبعد أن يكون له تأثير كبير على سعر صرف العملة الأميركية، والحقيقة أن الدولار، تماما مثل غيره من العملات الوقائية بما في ذلك الفرنك السويسري، هي أصول ترتفع قيمتها مع نمو المخاطر في العالم.

 

وبحسب  كوروليوك، فإن الكشف عن حدود القوة الأميركية يمكن أن يسرّع بشكل كبير عملية تقويض المركز المهيمن للعملة الأميركية، بينما يرى الخبراء الغربيون أن الانهيار السريع للحكومة الأفغانية الحالية يثير تساؤلات حول موقف الولايات المتحدة في أعين كل من حلفائها وخصومها.

 

ترسانة ضخمة

من ناحية أخرى، يسيطر سكان أفغانستان البالغ عددهم 40 مليون نسمة على ترسانة ضخمة، إذ صادرت طالبان -بعد مغادرة الأميركيين- جملة من الأسلحة والمعدات العسكرية التي قدمتها الولايات المتحدة إلى الحكومة الأفغانية، من بنادق إم 16 إلى عربات همفي المدرعة، تناهز قيمتها مليارات الدولارات.

 

بدوره، يقول سيميون تينياييف، وهو رئيس مجموعة ويستباك، إن هذا يمكن أن يؤدي إلى اندلاع صراعات محلية، في المقام الأول مع إيران نفسها. نتيجة لذلك، قد يضرب الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الدولار بشكل واضح، إذ في الوقت الذي يشق فيه الاقتصاد الأميركي طريقه إلى المعجزة الخضراء، يطلق على أفغانستان لقب مقبرة الإمبراطوريات، لذلك، فإن المغادرة التي تبدو غير ضارة بالأميركيين يمكن أن تكون رصاصة طائشة جديدة تطلق على الشرق الأوسط.

 

ويرى رئيس الاتحاد الروسي الآسيوي للصناعيين ورجال الأعمال، فيتالي مانكيفيتش، أن وصول طالبان إلى السلطة يمكن أن يؤثر بشكل غير مباشر على سعر صرف العملة الأميركية، علاوة على ذلك، يمكن أن يكون التأثير غامضا، فعلى سبيل المثال، قد يؤدي توسع القتال نحو آسيا الوسطى أو الهند إلى إبطاء النمو الاقتصادي وضرب أسعار السلع الأساسية، وهو ما سيؤدي على نحو متناقض إلى زيادة مؤشر الدولار.

 

ويضيف مانكيفيتش أن انسحاب الجيش الأميركي قد يؤدي -من ناحية أخرى- إلى انخفاض حصة التسويات بالدولار الأميركي في المنطقة والانتقال إلى التسويات بالعملات الوطنية، وخاصة اليوان، وهو ما سيؤثر سلبا على عملة الولايات المتحدة.

المصادر : الصحافة الروسية